فخر الدين الرازي

291

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

اعلم أنه لما شرح خوف المؤمنين من الكافرين وما ظهر منهم من التوكل على اللَّه تعالى أتبعه بأن أمر موسى وهارون باتخاذ المساجد والإقبال على الصلوات يقال : تبوأ المكان ، أي اتخذه مبوأ كقوله توطنه إذا اتخذه موطنا ، والمعنى : اجعلا بمصر بيوتا لقومكما ومرجعا ترجعون إليه للعبادة والصلاة . ثم قال : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وفيه أبحاث : البحث الأول : من الناس من قال : المراد من البيوت المساجد كما في قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ النور : 36 ] ومنهم من قال : المراد مطلق البيوت ، أما الأولون فقد فسروا القبلة بالجانب الذي يستقبل في الصلاة ، ثم قالوا : والمراد من قوله : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي اجعلوا بيوتكم مساجد تستقبلونها لأجل الصلاة ، وقال الفراء : واجعلوا بيوتكم قبلة ، أي إلى القبلة ، وقال ابن الأنباري : واجعلوا بيوتكم قبلة أي قبلا يعني مساجد فأطلق لفظ الوحدان ، والمراد الجمع ، واختلفوا في أن هذه القبلة أين كانت ؟ فظاهر أن لفظ القرآن لا يدل على تعيينه ، إلا أنه نقل عن / ابن عباس أنه قال : كانت الكعبة قبلة موسى عليه السلام . وكان الحسن يقول : الكعبة قبلة كل الأنبياء ، وإنما وقع العدول عنها بأمر اللَّه تعالى في أيام الرسول عليه السلام بعد الهجرة . وقال آخرون : كانت تلك القبلة جهة بيت المقدس . وأما القائلون بأن المراد من لفظ البيوت المذكورة في هذه الآية مطلق البيت ، فهؤلاء لهم في تفسير قوله : قِبْلَةً وجهان : الأول : المراد تلك البيوت قبلة أي متقابلة ، والمقصود منه حصول الجمعية واعتضاد البعض بالبعض . وقال آخرون : المراد واجعلوا دوركم قبلة ، أي صلوا في بيوتكم . البحث الثاني : أنه تعالى خص موسى وهارون في أول هذه الآية بالخطاب فقال : أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً ثم عمم هذا الخطاب فقال : وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً والسبب فيه أنه تعالى أمر موسى وهارون أن يتبوءا لقومهما بيوتا للعبادة ، وذلك مما يفوض إلى الأنبياء ، ثم جاء الخطاب بعد ذلك عاما لهما ولقومهما باتخاذ المساجد والصلاة فيها ، لأن ذلك واجب على الكل ، ثم خص موسى عليه السلام في آخر الكلام بالخطاب فقال : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وذلك لأن الغرض الأصلي من جميع العبادات حصول هذه البشارة ، فخص اللَّه تعالى موسى بها ، ليدل بذلك على أن الأصل في الرسالة هو موسى عليه السلام وأن هارون تبع له . البحث الثالث : ذكر المفسرون في كيفية هذه الواقعة وجوها ثلاثة : الأول : أن موسى عليه السلام ومن معه كانوا في أول أمرهم مأمورين بأن يصلوا في بيوتهم خفية من الكفرة ، لئلا يظهروا عليهم فيؤذوهم ويفتنوهم عن دينهم ، كما كان المؤمنون على هذه الحالة في أول الإسلام في مكة . الثاني : قيل : إنه تعالى لما أرسل موسى إليهم أمر فرعون بتخريب مساجد بني إسرائيل ومنعهم من الصلاة ، فأمرهم اللَّه تعالى أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلوا فيها خوفا من فرعون . الثالث : أنه تعالى لما أرسل موسى إليهم وأظهر فرعون تلك العداوة الشديدة أمر اللَّه تعالى موسى وهارون وقومهما باتخاذ المساجد على رغم الأعداء وتكفل تعالى أنه يصونهم عن شر الأعداء . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 88 إلى 89 ] وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 88 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 89 )